الثلاثاء، 19 فبراير 2008

الدنيا طابور عيش

الدنيا طابور عيش


طابور العيش شئ أساسي في حياة كل منا ، يلعب دوراً مهماً في حياة المصري ، هو أساس المواطنة ، و مقوي مهم للوطنية ، فيرسخ لدينا قواعد كثيرة مهمة.
أهمها التفكر في خلق الله!
أو التفكر في حال المصري بمعنى أصح فربما نحن متفردون بهذا الشئ (الطابور) عن باقي البشر!

فتقف في الطابور ، تجد أناس لا يعرفون بعضهم ، منهم البوسطجي و العسكري و زوجة البواب ، كلهم يشتري العيش البلدي (أيوة أبو شلن ده! ) و كل واحد منهم يعمل لحساب أحد المهمين في الدولة ، إما ضابط يستخدم العسكري في خدمة الوطن ليأتي له بالعيش البلدي لكي يفطر و بذلك الشئ سننتصر بإذن الله على أعداء الأمة ، أو سكان العمارة بالنسبة لزوجة البواب (ومن أهم من سكان العمارة في الدنيا ، فساكن العمارة هو أهم من السلم بالنسبة إلى العمارة فيعتقد كل ساكن أن لولاه لكانت العمارة خرابة قد جف منها الماء و تقطعت بسكانها السبل ، و يعتقد الآخرون أنه سبب نكبات الدهر التي تحل عليهم ، و كل واحد يعتقد نفسه كذلك و يراه الآخرون كذلك ) ، أو "العيال و أمهم" في حالة البوسطجي و من أعتى من "العيال" و من أشد بطشاً من "أمهم".. و غيرهم ..

ربما يتعجب البعض من هذا الكلام ، و يقول لنفسه مالي أنا بهذه القصص الطفولية و لكن إن صبرتم ستجدون ما يسركم ، و سيسترعي إنتباهكم تلك المفاهيم السامية التي ستتضح من كلامي!

المهم ، نجد كل من هؤلاء ، مع إختلاف تخصاصتهم العلمية و الأدبية و الإجتماعية ، تجدهم جميعاً مجتمعون على شئ واحد و مطلب واحد ، توحدوا في الطابور ، فتجد الطابور كتلة متكدسة ، كأن على رؤوسهم الطير ، لا تهمهم الشمس ، لا تهمهم الحرارة ، المهم تحقيق المطلب الواحد و الهدف الواحد و هو الحصول على الرغيف.
و ها هو يتجلى أمامنا "مفهوم الوحدة" ، و أي وحدة أكبر من ذلك.

ننتقل على المفهوم الثاني وهو مفهوم مهم ، وهو عند حدوث مشكلة ما بين أي شخص من الطابور وشخص آخر من خارج الطابور ، يسارع جميع أعضاء الطابور 'المقدس' للذب عن هذا المعتدى عليه ، العضو الراسخ الشامخ ، الذي ظل يسعى و يسعى بين مراتب الطبور حتى أوشك على إنجاز مهمته في أحسن شكل و بأسرع وقت لا يتعدى الثلاث ساعات على أفضل تقدير ، فإذا تم الإعتداء علي عذا العضو المهم من قِبَل شخص من خارج الطابور ، تجد الطابور هذا و كأنه أصبح شخصاً واحداً ، ويا للهول!
كل هؤلاء أصبحوا بقدرة قادر شخصاً واحداً ، نعم أصبحوا كذلك!
و من هنا يتضح لنا مفهوماً جديداً و هو "مفهوم التعاون" ، فتجد أحد المتعاونين يفض المشكلة بين الطرفين و لكن بالتأكيد يميل إلى جانب زميل الكفاح الذي سار معه جنباً إلى جنب في طابور واحد منذ الصباح الباكر حتى أشرقت الشمس و أينعت.
و يتعاون آخر بسب من هو خارج الطابور لأنه اعتدى على زميل الطابور العظيم.
و يتضح الفارق بين الذكر والأنثى في هذا الموقف ، فللذكر طرق للتعاون ، و للأنثى طرقاً أخرى ، فتسارع عضوات الطابور بالهمز واللمز ، يستارعون إلى النميمة فتجد إحدى الإناث تمسك بأذن الأخرى تملأها بكلام ضد هذا المشاغب الذي أتى لأهل الطابور ليعتدى عليهم!
فيا للتعـــاون الملحوظ!

وندخل على أحد المفاهيم الأخرى بل و أهمها ، و هو معرفة الدنيا من خلال الطابور!
يأتي آخر من في الطابور لا يعرف أحداً و لا يعلم شيئاً ، فيقف لمدة قصيرة ، فيعرف باقي أعضاء هذا الطابور المشرف ، و يعرف تفاصيل من حياتهم لا يعلمها ربما ذويهم ، و ربما تتربى بينهم الصداقة الوثيقة ، فزمالة الكفاح أقوى من أي صداقة ، و أشد من أي رابط ، فيعامل العجوز الولد على أنه ابنه ، و يعامل الرجل زوجة البواب تلك على أنها أخته التي عرفها للتو ، و هكذا..
و بعد هذه المشقة ينتهى دور كل واحد منهم في الطابور ، فيذهب إلى حيث يشاء ، إما للنوم و الراحة ، إما للعمل و العذاب ، و ها هو "مفهوم الدنيا" يصرح بنفسه لنا!
يأتى الإنسان غريباً ، و بعد المشقة يترك زملائه و أحبائه و أبنائه و إخوته ليذهب إلى مكان لا يعلمه كل هؤلاء ، إما إلى الراحة و إما إلى العذاب !!

فحمداً لله الذي رزقنا بطابور العيش ، فأصبحنا من المفكرين بسببه ، و تجلت لنا المفاهيم العالية و القواعد الراسخة في البشرية بسببه ، و يا لحسرة الشعوب المحرومة من طابور العيش!
وعندي فكرة مهمة أنهي بها مقالي المعاصر هذا ، فما المشكلة أن نستورد القمح من أمريكا و نصدر لهم طابور العيش ، رداً به على خدمات أمريكا الجليلة لشعوبنا العظيمة!!

ليست هناك تعليقات: