أم المنطقة
في بلادنا معلوم ا أنه ربما تنتشر قضية ما ، ومع الزمن تصبح خرافة يصدقها الجميع ، وربما يُطرَد من شكك فيها أو طعن في صحتها يوماً.
ومن الخرافات التي انتشرت عندنا هي "أم المنطقة" ، وأم المنطقة هي شجرة تقع في أول الشارع الرئيسي الذي يقسم القرية نصفين ، وتظهر فيها جلياً علامات الزمن السحيق ، وكما يقال فقد أكل عليها الزمن وشرب!
فما جرت عليه العادة في قريتنا البسيطة هو أن يتجمع الأفراد والعائلات تحت ظلال هذه الشجرة الوفيرة ، يتنسمون عبيرها الذي لا ينضب ، ويستنشقون زهورها التي لا تجف ، فيثملون بجمالها الذي يقرع الأنفس ويسكرها. فيجلس الجميع ، من العصر حتى العشاء إعتقاداً أن هذه الأوقات هي أوقاتاً مميزة ، لابد ألا يغفل عنها كل من سكن القرية النائية.
ولم تكن هذه العادة إلا أن الناس إعتقدوا أنه من تجمع مع أي من كان تحتها -سواء كان صديق أو عشيقة أو عائلة- لا يمكن أن يتفرقوا (أو يتفرقا) أبداً ماداموا يواظبون على هذه العادة التي ومع كونها عادة فهي تروح عن النفس ، وتملأ الروح رغبة في الحياة بسبب جمال الوقت المنقضي تحت الشجرة الأم.(1)
ولكن يسأل سائل ، من أين أتى هذا الإعتقاد العجيب والذي أورث الناس هذه العادة الغريبة؟
أجيب عن ذلك بأن أصل هذه الخرافة (أو ربما الإعتقاد!) ، أنه ذات يوم سكن القرية رجلاً فقيراً وكانت له زوجة أصغر منه ببعض السنين ، جاءا بأثواب مهلهلة ، فكان الزوج يرتدي بنطال مرقع والسيدة وضعوها في ملس شكله يوحي بأنه لم يتعرض أبداً لعملية غسيل جيدة. (2)
فسكن الزوجين في القرية ، وأنجبوا ولداً وحيداً لهم ، وإكتفوا به بسبب فقرهم المدقع وماليتهم البسيطة ، وبسبب هذا الفقر لم يجد الرجل وسيلة لينزه عائلته الصغيرة إلا بالذهاب إلى الشجرة فيجلسون تحتها من العصر للعشاء فما أجمل من نسائم العصاري و هواء المغربية، فما أحلى هذه الفسحة "البلوشي".
وظل الحال على ما هو عليه حتى طعنا الرجل والمرأة في السن ، طعناً لم يسبقهم إليه أحد من قبل ، حتى بلغ إبنهم المشيب وهما على قيد الحياة وفي أوج الصحة ، ولكن شاء الله أن تموت الزوجة ومات الرجل بعدها بعدة أيام.
ولا عجب في ذلك ، فقد أصيبت المرأة بمرض السل المعدي في كلتا رئتيها، وكان الرجل يمرضها وينام معها على نفس السرير فماتت المرأة بعد أن انتقلت العدوى للرجل فمات بعدها بعدة أيام وكذلك كان قضاء الله.
وعندما كان الرجل في فراش الموت ، ينتظر حضور ملك الموت ، ويتأهب للحظة لقاء ربه ، تجمع حوله الجيران من المنطقة وكلهم يتمتمون وهم ينظرون للرجل بــ "إنا لله وإنا إليه راجعون". والرجل في حالة يرثى لها ، فماهي إلا لحظات ويفارق تلك الحياة بعد عمره الذي طال.
وما نحن في هذا المشهد ، إذ برجل من الجيران يخاطب الرجل المقبل على الموت (وكانوا ينادونه بالبركة بسبب سنه الكبير -جداً-) فقال له: "قل لي يا بركة ، ما السر في طعنكم أنت وزوجتك في السن ، وإقبالك على الموت بعدها بعدة أيام فقط؟!"
فسكت البركة وكأن لسان حاله يقول "ياخي هو أنا ناقصك!" ، ولكنه ما لبث أن تكلم بعد هذا السكوت القصير فقال: "إنها البركة ، إنها الشجرة ، أم المنطقة!" (3)
سكت الجميع ، وحملقوا في جنبات الحجرة ، وكأنهم عرفوا ترياق الحياة ، فطفقوا يحملقون وكأنهم ينشدون ضالتهم (الشجرة) ، وقد أحسوا جميعهم بالحاجة إليها! وما هي إلا دقائق وخرجت روح الرجل من جسده.
وليست هي نهاية القصة وإنما هي البداية ، فقد كانت هذه الكلمات هي بداية الخرافة القديمة والتي استمرت وتزيد مع الزمن (4)، ولكن هل هذا حقيقي فعلاً ؟ أيمكن أن تكون هذه الشجرة سبباً لهذه الأعراض الصحية من طول العمر والصحة؟
ولكن قيل في الأمثال : "إذا عُرف السبب ، بطل العجب"!!
فقد كان سبب ذهاب الرجل بعائلته لهذه الشجرة هي الفسحة والترويح لا أكثر ، بسبب ضيق حظيرتهم وضعف دخلهم.
وأما طعنهم في السن بهذا الشكل ، فكان أيضاً بسبب فقرهم ، فلم يأكلا في حياتهما -الرجل وزوجته- إلا البيض واللبن والفول وغيرها من أطعمة الفقراء. فلم يعتادوا على ألوان "التيك أواي" ولم يتعرفوا على المزاجيات من شاي وقهوة ، ولم يأكلا أطعمتنا المسرطنة (5) ، فكان طعامهما فتات في فتات ولكنه مع ذلك صحي ، وحتى أنهما لم يتعودا الإستزادة من هذه الأطعمة الصحية فلم يصيبا أبداً بتخمة أو سِمنة أو حتى حالة إسهال! ، فغابت مسببات المرض فكانت صحتهما على هذه الحال ، وكانت مشيئة الله في بقائهما كذلك.
أما عن قول الرجل ببركة الشجرة ، إنما كان إستغلالاً للبسطاء من أهل القرية وساعد على ذلك البيئة الريفية التي عمها الجهل وكثر في أرجائها المكاذيب . وسيزول العجب ويتبدد السؤال عن سر هذا الكلام إذا عُلِمَ أن إبن هذا الرجل قد كان له مقهى عند الشجرة يقدم منها الطلبات والمشاريب لكل من أراد الجلوس عند الشجرة ، فاعتقد الرجل بذلك أنه يؤمن مستقبل ابنه وأحفاده!!(6)
-----------------
(1) فجميع الخرافات والأكاذيب لم تكن إلا بإستراحة النفس البشرية لها ، وما أضعف النفس البشرية ، فتضل ونسير وراء ضلالها.
(2) وهو حال كل من يصنع أي خرافة في التاريخ الإنساني ، فليس هؤلاء إلا من طلبوا الغنى وسعوا للشهرة بعد أن كانوا مرقعين الأثواب مهلهلين الملابس.
(3)، (4) وهذا بدء أي خرافة أو إبتداع البدع والأفكار الغريبة ، فلم تبدأ أي فكرة كهذه إلا بسبب قول رجل صدقه البعض وأورث الناس هذه المعتقدات في أبنائهم حتى تعم البدعة وتنتشر، وربما ينشأ على خرافة مذهباً أو طريقة.
(5) فلم يصل إليهم خبراء الزراعة اليهود بأسمتدهم المسرطنة بعد!
(6) وهكذا كانت جميع الإعتقادات التي لم ينزل الله بها من سلطان ، وعلى كل من يؤمن ويجد من يخالفه أن يرى الأدلة ويستمع لصوت العقل بدلاً من العصبية الفكرية ، فما نحن فيه الآن لم يكن إلا بسبب إنتشار الجهل وعموم المعتقدات التي لم ينزل الله بها من سلطان ، ولهذا كثرت الملل والنحل ، والمذاهب و العقائد ، والفرق والطرق ، فعليك إن وجدت من يخالفك أن تمعن النظر في أدلته ، وتعرف أدلتك فربما يكون هو على الحق وأنت على باطل ، هذا إن أردت المعرفة لا الجهل ، وأردت الحقيقة لا العصبية الممقوتة ، {فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء : 59].
ومن الخرافات التي انتشرت عندنا هي "أم المنطقة" ، وأم المنطقة هي شجرة تقع في أول الشارع الرئيسي الذي يقسم القرية نصفين ، وتظهر فيها جلياً علامات الزمن السحيق ، وكما يقال فقد أكل عليها الزمن وشرب!
فما جرت عليه العادة في قريتنا البسيطة هو أن يتجمع الأفراد والعائلات تحت ظلال هذه الشجرة الوفيرة ، يتنسمون عبيرها الذي لا ينضب ، ويستنشقون زهورها التي لا تجف ، فيثملون بجمالها الذي يقرع الأنفس ويسكرها. فيجلس الجميع ، من العصر حتى العشاء إعتقاداً أن هذه الأوقات هي أوقاتاً مميزة ، لابد ألا يغفل عنها كل من سكن القرية النائية.
ولم تكن هذه العادة إلا أن الناس إعتقدوا أنه من تجمع مع أي من كان تحتها -سواء كان صديق أو عشيقة أو عائلة- لا يمكن أن يتفرقوا (أو يتفرقا) أبداً ماداموا يواظبون على هذه العادة التي ومع كونها عادة فهي تروح عن النفس ، وتملأ الروح رغبة في الحياة بسبب جمال الوقت المنقضي تحت الشجرة الأم.(1)
ولكن يسأل سائل ، من أين أتى هذا الإعتقاد العجيب والذي أورث الناس هذه العادة الغريبة؟
أجيب عن ذلك بأن أصل هذه الخرافة (أو ربما الإعتقاد!) ، أنه ذات يوم سكن القرية رجلاً فقيراً وكانت له زوجة أصغر منه ببعض السنين ، جاءا بأثواب مهلهلة ، فكان الزوج يرتدي بنطال مرقع والسيدة وضعوها في ملس شكله يوحي بأنه لم يتعرض أبداً لعملية غسيل جيدة. (2)
فسكن الزوجين في القرية ، وأنجبوا ولداً وحيداً لهم ، وإكتفوا به بسبب فقرهم المدقع وماليتهم البسيطة ، وبسبب هذا الفقر لم يجد الرجل وسيلة لينزه عائلته الصغيرة إلا بالذهاب إلى الشجرة فيجلسون تحتها من العصر للعشاء فما أجمل من نسائم العصاري و هواء المغربية، فما أحلى هذه الفسحة "البلوشي".
وظل الحال على ما هو عليه حتى طعنا الرجل والمرأة في السن ، طعناً لم يسبقهم إليه أحد من قبل ، حتى بلغ إبنهم المشيب وهما على قيد الحياة وفي أوج الصحة ، ولكن شاء الله أن تموت الزوجة ومات الرجل بعدها بعدة أيام.
ولا عجب في ذلك ، فقد أصيبت المرأة بمرض السل المعدي في كلتا رئتيها، وكان الرجل يمرضها وينام معها على نفس السرير فماتت المرأة بعد أن انتقلت العدوى للرجل فمات بعدها بعدة أيام وكذلك كان قضاء الله.
وعندما كان الرجل في فراش الموت ، ينتظر حضور ملك الموت ، ويتأهب للحظة لقاء ربه ، تجمع حوله الجيران من المنطقة وكلهم يتمتمون وهم ينظرون للرجل بــ "إنا لله وإنا إليه راجعون". والرجل في حالة يرثى لها ، فماهي إلا لحظات ويفارق تلك الحياة بعد عمره الذي طال.
وما نحن في هذا المشهد ، إذ برجل من الجيران يخاطب الرجل المقبل على الموت (وكانوا ينادونه بالبركة بسبب سنه الكبير -جداً-) فقال له: "قل لي يا بركة ، ما السر في طعنكم أنت وزوجتك في السن ، وإقبالك على الموت بعدها بعدة أيام فقط؟!"
فسكت البركة وكأن لسان حاله يقول "ياخي هو أنا ناقصك!" ، ولكنه ما لبث أن تكلم بعد هذا السكوت القصير فقال: "إنها البركة ، إنها الشجرة ، أم المنطقة!" (3)
سكت الجميع ، وحملقوا في جنبات الحجرة ، وكأنهم عرفوا ترياق الحياة ، فطفقوا يحملقون وكأنهم ينشدون ضالتهم (الشجرة) ، وقد أحسوا جميعهم بالحاجة إليها! وما هي إلا دقائق وخرجت روح الرجل من جسده.
وليست هي نهاية القصة وإنما هي البداية ، فقد كانت هذه الكلمات هي بداية الخرافة القديمة والتي استمرت وتزيد مع الزمن (4)، ولكن هل هذا حقيقي فعلاً ؟ أيمكن أن تكون هذه الشجرة سبباً لهذه الأعراض الصحية من طول العمر والصحة؟
ولكن قيل في الأمثال : "إذا عُرف السبب ، بطل العجب"!!
فقد كان سبب ذهاب الرجل بعائلته لهذه الشجرة هي الفسحة والترويح لا أكثر ، بسبب ضيق حظيرتهم وضعف دخلهم.
وأما طعنهم في السن بهذا الشكل ، فكان أيضاً بسبب فقرهم ، فلم يأكلا في حياتهما -الرجل وزوجته- إلا البيض واللبن والفول وغيرها من أطعمة الفقراء. فلم يعتادوا على ألوان "التيك أواي" ولم يتعرفوا على المزاجيات من شاي وقهوة ، ولم يأكلا أطعمتنا المسرطنة (5) ، فكان طعامهما فتات في فتات ولكنه مع ذلك صحي ، وحتى أنهما لم يتعودا الإستزادة من هذه الأطعمة الصحية فلم يصيبا أبداً بتخمة أو سِمنة أو حتى حالة إسهال! ، فغابت مسببات المرض فكانت صحتهما على هذه الحال ، وكانت مشيئة الله في بقائهما كذلك.
أما عن قول الرجل ببركة الشجرة ، إنما كان إستغلالاً للبسطاء من أهل القرية وساعد على ذلك البيئة الريفية التي عمها الجهل وكثر في أرجائها المكاذيب . وسيزول العجب ويتبدد السؤال عن سر هذا الكلام إذا عُلِمَ أن إبن هذا الرجل قد كان له مقهى عند الشجرة يقدم منها الطلبات والمشاريب لكل من أراد الجلوس عند الشجرة ، فاعتقد الرجل بذلك أنه يؤمن مستقبل ابنه وأحفاده!!(6)
-----------------
(1) فجميع الخرافات والأكاذيب لم تكن إلا بإستراحة النفس البشرية لها ، وما أضعف النفس البشرية ، فتضل ونسير وراء ضلالها.
(2) وهو حال كل من يصنع أي خرافة في التاريخ الإنساني ، فليس هؤلاء إلا من طلبوا الغنى وسعوا للشهرة بعد أن كانوا مرقعين الأثواب مهلهلين الملابس.
(3)، (4) وهذا بدء أي خرافة أو إبتداع البدع والأفكار الغريبة ، فلم تبدأ أي فكرة كهذه إلا بسبب قول رجل صدقه البعض وأورث الناس هذه المعتقدات في أبنائهم حتى تعم البدعة وتنتشر، وربما ينشأ على خرافة مذهباً أو طريقة.
(5) فلم يصل إليهم خبراء الزراعة اليهود بأسمتدهم المسرطنة بعد!
(6) وهكذا كانت جميع الإعتقادات التي لم ينزل الله بها من سلطان ، وعلى كل من يؤمن ويجد من يخالفه أن يرى الأدلة ويستمع لصوت العقل بدلاً من العصبية الفكرية ، فما نحن فيه الآن لم يكن إلا بسبب إنتشار الجهل وعموم المعتقدات التي لم ينزل الله بها من سلطان ، ولهذا كثرت الملل والنحل ، والمذاهب و العقائد ، والفرق والطرق ، فعليك إن وجدت من يخالفك أن تمعن النظر في أدلته ، وتعرف أدلتك فربما يكون هو على الحق وأنت على باطل ، هذا إن أردت المعرفة لا الجهل ، وأردت الحقيقة لا العصبية الممقوتة ، {فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء : 59].
هناك تعليق واحد:
1st welcome to the blogs world ya ostaz waleed
nice post w rabena ye2adrak w temte3na b postatak da2eman :D
tab fen el shagara di 3shan 3aiza aro7 !
إرسال تعليق